صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
مقدمة 19
الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )
كانوا من الأساطين ، وكّلت عن إدراكها أفهام الآخرين وإن كانوا من المتفطنين ، هي لعمري أنوار ملكوتية يتلألأ في سماء القدس والولاية وأيدي باسطة يقرع باب النبوة وقد أودعنا بعضا من هذه المسائل في مواضع متفرقة من الكتب والرسائل وكثيرا منها مما لم يمكني أن أنصّ عليها خوفا من الاشتهار وحيفا عليها من الانتشار في الأقطار » . * * * كما أوضحنا سابقا فإن حقائق الأشياء في مقام العلم والمرتبة الأصلية للحقائق ليست مصطبغة بلون الأكثرية بل بشكل صرف ووحدوي ، وليس للقوة النظرية قدرة إدراك للحقائق بشكل صرف لأن لها تعيّن . إن حقيقة كل شيء هي عبارة عن كيفية تعيّن ذاك الشيء في علم الحق ، ولا يحصل كمال العلم بكل شيء إلا بالاتصال بمرتبة الوحدانية ، والاتصال بين العبد والسالك والحق لا يمكن تحقيقه دون رفع التعينات ورفض الحدود وإزالة الوسائط النورانية والظلمانية ، ولكن يستحيل رفع الوسائط إلا بتحقيق الشهود . يقول شيخ المشّائية إن الإسلام قد أدرك من وراء حجاب القوة النظرية هذه الحقيقة وهي أن : « ليس في قدرة البشر « 1 » الوقوف على حقائق الأشياء بل غاية الإنسان أن يدرك خواص الأشياء ولوازمها » « 2 » . إن المحققين من أهل الرأي هم على اقتناع بأن العلم الحاصل عن طريق التصفية وهو حق اليقين وعين اليقين هو أصفى وأتم وأكمل ، وإذا ما تم استحصاله بشروط فلا يمكن أن يتطرق الجهل إليه ويزول احتمال عدم الإصابة ، ولكن هؤلاء المحققين يستبعدون حصول مثل هذا العلم لأنه منحصر بالأنبياء وخلاصة الأولياء . ورغم صحة الكلام القائل بأن العلم الحاصل عن طريق الكشف والشهود صعب المنال « وجلّ جناب الحق أن يكون شريعة لكل وارد » ، لكن الإنسان قادر على تحصيله إذا اعتقد الطريق الصحيح ، والدليل على كلامنا هو كتب أهل العرفان وما تحتويه هذه الكتب من مواضيع خاصة بالمعارف ، لأنه وكما ذكرنا مرارا فإن المواضيع المدونة في كتب العرفاء المرتبطة بالمعارف هي أكمل بكثير من مباني
--> ( 1 ) وهو ( ره ) أدرك هذا السر بصحة الفطرة وصفاء الروح . ( 2 ) لقد كان للشيخ الرئيس ودون أي تشكيك رأيه بطريقة الشهود والكشف ، ولكن أفكار العرفاء في عصره لم تدون على طريقة أهل الرأي كما هو الحال في عصور ما بعد الشيخ ، إذ كان هناك في عصره مسائل مغلوطة ومخالفة لسبيل البرهان يتناقلها المتفلسفون .